الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
237
نفحات القرآن
وتضيف : « لَاالهَ إِلَّا هُوَ » . لأنّ اللائق للعبادة هو الذي يكون ( ربّاً ) أي مالكاً ومربّياً ومدبّراً لكلّ شيء ، وللمزيد من التأكيد وإقامة دليل آخر على انحصار المعبود فيه تضيف الآية : « خَالِقُ كُلِّ شىءٍ » ، ثمّ تستنتج لتقول : « فَاعْبُدُوهُ » . ولقطع كلّ أمل بغير اللَّه وصدّ البشر عن التعلّق بعالم الأسباب واجتثاث جذور الشرك تقول الآية : « وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ وَكِيلٌ » . كلمة ( شيء ) كما يقول اللغويون : تعني كلّ أمر يمكن أن يناله علم الإنسان « 1 » ، إلّاأنّها في آية البحث تعني كلّ الموجودات ما سوى اللَّه سبحانه . وعلى أيّة حال فإنّ لهذه الكلمة مفهوماً واسعاً يشمل كلّ الموجودات المادّية والمجرّدة والذهنية والخارجية والجوهر والعرض ، وباختصار : إنّها تشمل كلّ شيء ، وهذه الآية دليل واضح على عمومية الخلق الإلهي بالنسبة لكلّ شيء . وقد وقع هنا نزاع معروف بسبب شمول ( شيء ) لأعمال الإنسان بين جماعة تقول بالجبر - كالفخر الرازي - حيث يقول : ( إنّ أعمالنا داخلة في كلمة ( شيء ) أيضاً ، فاللَّه إذن هو خالقها ) ، وهذه الآية دليل على الجبر عندهم ، ولكن المؤيّدين لحريّة الإرادة لهم إجابة واضحة ومستدلّة وستأتي في الإيضاحات . وقد استدلّت جماعة بهذه الآية على نفي الصفات الزائدة على الذات في مواجهة الأشاعرة القائلين بأنّ اللَّه ذو صفات منفصلة عن ذاته ، فلو كان الأمر كذلك فإنّ كلمة ( شيء ) تشملها ويجب - حينئذ - أن تكون مخلوقة للَّه ، ولا معنى لأن يخلق اللَّه صفاته كالقدرة والعلم و . . . ولا ينسجم هذا مع وجوب الوجود أساساً . فأجاب بعض الأشاعرة بتخصيص عموم الآية بأن نقول : إنّ ( خالق كلّ شيء ) لا يشمل صفات اللَّه ! ولكن الآية تأبى الاستثناء ولم يرد عليها أي تخصيص كما سنبيّن ذلك بإذن اللَّه .
--> ( 1 ) هذه الكلمة مصدر ( شاء ) وتكون تارةً بمعنى اسم الفاعل وتارةً بمعنى اسم المفعول ( فتأمّل جيدّاً ) .